بعد تحرير الخرطوم: هل مشروع الحكومة الموازية استراتيجية بديلة للدعم السريع؟

في يوم السابع عشر من شهر فبراير الماضي، شهدت العاصمة الكينية نيروبي تحركات سياسية تهدف إلى تشكيل حكومة موازية في السودان. تأتي هذه الخطوة في ظل الصراع المستمر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
وتتألف المجموعة الداعمة لتشكيل الحكومة الموازية من قوى سياسية ومدنية، بالإضافة إلى حركات مسلحة متحالفة مع قوات الدعم السريع. أعلنت هذه الأطراف عن نيتها توقيع “الميثاق التأسيسي” لتكوين الحكومة الموازية في 22 فبراير 2025 بالعاصمة نيروبي. من بين هذه القوى، برز تحالف “تقدم”، الذي شهد انقسامات داخلية حول مسألة تشكيل الحكومة الموازية. أدى هذا الخلاف إلى فك الارتباط بين المجموعات المؤيدة والمعارضة لتشكيل الحكومة، مما أسفر عن تشكيل تحالف جديد باسم “تحالف السودان التأسيسي”، أو باختصارٍ تحالف ” تأسيس السودان”.[1]
شكل ونظام الحكومة الموازية
كان يوم الثلاثاء المُوافق للخامس والعشرين من مارس 2024، هو الذي كشفت فيه صحيفة “سودان تريبيون” – نقلًا عن مصادر مطلعة داخل تحالف “تأسيس السودان” – عن ملامح الترتيبات السياسية المرتقبة داخل الحكومة الموازية التي يعتزم التحالف تشكيلها في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. ووفقًا لهذه المصادر، ستتولى قوات الدعم السريع رئاسة المجلس الرئاسي بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بينما يُسند منصب نائب الرئيس للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو.
وتشير المعلومات إلى أن قوات الدعم السريع ستحوز على ما لا يقل عن 40% من المناصب داخل الهيكل التنفيذي للتحالف، مقابل نحو 30% للحركة الشعبية، في حين ستوزع النسبة المتبقية، والبالغة 30%، بين بقية الأطراف المنضوية تحت التحالف، كالجبهة الثورية، وحزب الأمة – جناح فضل الله برمة، وتكوينات سياسية ومدنية أخرى.
وكانت الخلافات بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية حول أحقية الرئاسة قد أرجأت الإعلان عن هذا التشكيل في وقت سابق. إلا أن الطرفين توصلا في 22 فبراير إلى توقيع إعلان سياسي بنيروبي، بمشاركة عدد من الحركات والجماعات المدنية والمسلحة، تضمن الدعوة إلى تشكيل تحالف سياسي وحكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
ويؤسس هذا الإعلان، المتكئ على وثيقة دستورية مشتركة، لنموذج جديد للدولة السودانية، باعتبارها “دولة علمانية، ديمقراطية، لامركزية، تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، والمواطنة المتساوية أساسًا للحقوق والواجبات”. ويقترح الدستور المرتقب تقسيم البلاد إلى ثمانية أقاليم، تعتمد نظامًا ثلاثي المستويات للحكم: اتحادي، وإقليمي، ومحلي.
أما المجلس الرئاسي ذاته، فمن المزمع أن يتكون من خمسة عشر عضوًا، من بينهم حكام الأقاليم. ووفقًا لمصادر الصحيفة، فإن الاتجاه الغالب داخل التحالف يميل إلى تجاوز المحاصصات الحزبية في تعيين رئيس الوزراء، لصالح ترشيح شخصية تكنوقراطية مستقلة، تُمنح الأولوية لمعيار الكفاءة على الولاء التنظيمي.[2]
مطامح الحكومة الموازية
إنّ أبرز الهتافات التي رافقت الخطابات في التجمع السياسي الذي في نيروبي إبان تدشين الحكومة المُوازية هي ” إسقاط دولة 56″. وفي السياق السوداني، يُشار بمصطلح “دولة 56” إلى الدولة السودانية التي تأسست عقب الاستقلال في عام 1956.[3] هذا المصطلح يحمل دلالات رمزية تتعلق بالهوية الوطنية والتاريخ السياسي للبلاد. ومع ذلك، يرى بعض الفاعلين السياسيين، خاصة من الأطراف المتحالفة مع قوات الدعم السريع، أن هذه الدولة بمفهومها التقليدي قد فشلت في تحقيق تطلعات الشعب السوداني، مما يدفعهم للدعوة إلى إسقاط هذا النموذج واستبداله بكيان سياسي جديد.
تأتي دعوات إسقاط “دولة 56” من منطلق الاعتقاد بأن النظام السياسي الذي تأسس بعد الاستقلال لم ينجح في معالجة القضايا الجوهرية مثل التنمية المتوازنة، والعدالة الاجتماعية، وإنهاء التهميش. يرى هؤلاء أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 1956 لم تتمكن من تحقيق الاستقرار أو التنمية المستدامة، بل أسهمت في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. من هذا المنطلق، يعتبرون أن تشكيل حكومة موازية يمثل فرصة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تعالج إخفاقات الماضي.
أهداف هذه الحكومة الموازية تتجاوز مجرد تقاسم السلطة مع الحكومة الحالية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان. بحسب تصريحات الهادي إدريس، أحد قادة المعارضة، فإن الميثاق المزمع توقيعه في نيروبي يهدف إلى “استعادة وحدة” السودان وإنهاء الحرب الأهلية عبر معالجة جذور الأزمة. كما تنص الوثيقة على إنشاء حكومة تغطي كامل التراب السوداني، وليس فقط المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.[4] هذا يشير إلى رغبة هذه الحكومة في تقديم نفسها كبديل شامل يسعى لتحقيق السلام والاستقرار في جميع أنحاء البلاد.
من منظورهم، يختلف نهج الحكومة الموازية عن الحكومة الحالية في عدة جوانب. أولاً، تسعى الحكومة الموازية إلى إقامة جيش موحد ومحترف بعيدًا عن الانتماءات السياسية، بهدف حماية سيادة السودان وسلامة أراضيه. هذا يتناقض مع الوضع الحالي حيث يُتهم الجيش بالتورط في السياسة والانحياز لأطراف معينة. ثانيًا، تهدف الحكومة الموازية إلى تقديم خدمات أساسية للمواطنين في المناطق التي تسيطر عليها، مثل الأمن، والصحة، والتعليم، في محاولة لكسب ثقة السكان المحليين وتقديم نموذج حكم بديل. ثالثًا، تسعى هذه الحكومة إلى إعادة توزيع الموارد بشكل عادل، خاصة في المناطق التي تعاني من التهميش، مما يختلف عن السياسات السابقة التي ركزت التنمية في مناطق محددة.[5]
مع ذلك، تواجه فكرة تشكيل حكومة موازية انتقادات ومعارضة من عدة جهات. الحكومة الحالية ترى في هذه الخطوة تهديدًا لوحدة البلاد وتماسكها، وتعتبرها محاولة لفرض حكومة من الخارج. في هذا السياق، صرّح الفريق البرهان بأن الشعب السوداني لن يقبل بفرض حكومة عليه من الخارج، مؤكدًا على وحدة وتماسك السودانيين في مواجهة التحديات. [6]كما أبدى استغرابه من دعوات بعض الدول لعودة شخصيات سابقة إلى الحكم، مشددًا على أن الشعب السوداني قال كلمته بوضوح.
أخطار الحكومة الموازية
إن فكرة الحكومة الموازية ليست جديدة في تاريخ الصراعات الإفريقية، لكنها هذه المرة تتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا، حيث تأتي في ظل حرب مستعرة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، اللتين تتصارعان على السلطة منذ أبريل 2023.[7] فبدلًا من السعي لحل النزاع، فإن هذه الخطوة تبدو محاولة لإعادة تشكيل السودان ككيان سياسي متعدد السلطات، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى، والتدخلات الخارجية، وحتى التقسيم الصامت.
لكن السؤال الأهم هنا: من يقف وراء هذه الحكومة؟ ولماذا يُصرّ البعض على إعطاء شرعية متساوية للدعم السريع إلى جانب الجيش السوداني؟ وما هي الأهداف غير المعلنة لهذه الخطوة؟
أولًا: من يقف وراء الحكومة الموازية؟
تتألف الحكومة الموازية في نيروبي من قوى مدنية وحركات مسلحة، بعضها متحالف بشكل وثيق مع قوات الدعم السريع، التي تسعى للحصول على اعتراف دولي رسمي بوصفها طرفًا شرعيًا في الصراع. غير أن اللافت في الأمر هو أن بعض هذه القوى كانت سابقًا جزءًا من اتفاقيات سلام مع الخرطوم، لكنها الآن تعيد تموضعها استجابة لمتغيرات الصراع.
من ناحية أخرى، فإن دعم بعض القوى الإقليمية والدولية لهذه الخطوة يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية وراءها. فهناك تقارير تتحدث عن دور إماراتي واضح في تمويل قوات الدعم السريع، وتقديم دعم سياسي للحكومة الموازية، بهدف خلق واقع جديد يسمح للقوى الخارجية بالتحكم في مستقبل السودان، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
جيوسياسيًا، قد تؤدي هذه الخطوة إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية المتعلقة بالسودان. من المحتمل أن تتباين مواقف الدول المجاورة والدول ذات المصالح في المنطقة بشأن الاعتراف أو دعم أي من الحكومتين المتنافستين، مما قد يؤثر على التوازن الإقليمي ويزيد من تعقيد العلاقات الدولية في المنطقة. في هذا السياق، وكما تمت الإشارة إليه أعلاه، تبرز الإمارات العربية المتحدة كداعم رئيسي لقوات الدعم السريع، حيث استثمرت أكثر من 6 مليارات دولار في السودان منذ عام 2018، وشملت هذه الاستثمارات مشاريع زراعية وميناء على البحر الأحمر. كما جندت الإمارات مقاتلين من السودان، معظمهم من قوات الدعم السريع، للمشاركة في صراعات إقليمية أخرى.[8]
إلى جانب الإمارات، تبرز كلٌّ من إثيوبيا وكينيا كأطراف إقليمية تسعى لإضفاء الشرعية على هذه الحكومة الموازية، مدفوعةً بحسابات سياسية معقّدة. فهاتان الدولتان، الحليفتان لأبوظبي، تتماهيان مع رؤيتها التي ترى في حكومة البرهان امتدادًا لتيار إسلامي قد يُعيد إنتاج نموذج “الكيزان”، وهو ما يتعارض مع مصالحها الإقليمية وتوازناتها الداخلية.[9]
على الطرف الآخر، هناك قوى داخلية سودانية ترى أن هذه الحكومة مجرد أداة أخرى لتكريس هيمنة الدعم السريع، وليس مشروعًا وطنيًا يهدف لحل الأزمة.[10] كما أن بعض التيارات السياسية المعارضة لقيادة الجيش، وإن كانت على خلاف مع المؤسسة العسكرية، إلا أنها تدرك مخاطر شرعنة ميليشيا لا تملك مقومات الدولة، ولم تتوقف عن ارتكاب جرائم ضد المدنيين.
ثانيًا: كيف تخدم الحكومة الموازية القوى الأجنبية؟
إن تشكيل حكومة موازية في السودان لا يمكن فصله عن الإستراتيجيات الإمبريالية التي تعتمد على خلق قوى بديلة داخل الدول الهشة، بهدف تسهيل التدخل الخارجي وتقويض المؤسسات السيادية. من أبرز الطرق التي تخدم بها هذه الحكومة الموازية المصالح الأجنبية:
1. إضعاف الدولة المركزية لصالح منظومة مليشياتية
• تكرس الحكومة الموازية فكرة أن السودان لم يعد دولة ذات سيادة موحدة، بل ساحة نفوذ يتم تقاسمها بين قوى محلية وخارجية.
• تهميش الجيش النظامي عبر شرعنة الدعم السريع يجعله عاجزًا عن فرض سلطة مركزية قوية، مما يتيح للقوى الأجنبية التدخل بحجة “الوساطة” أو “دعم الاستقرار”.
2. نهب الموارد الطبيعية في ظل الفوضى: السودان غني بالذهب، والمعادن، والزراعة، مما يجعله هدفًا رئيسيًا لقوى تسعى لاستغلال هذه الموارد دون وجود دولة قوية تفرض رقابة على عمليات التنقيب والاستثمار. علمًا أنّ قوات الدعم السريع بالفعل تدير عمليات تهريب ذهب ضخمة، وهذه الحكومة قد تمنح غطاءً سياسيًا لهذه الأنشطة.
3. خلق ذريعة للتدخل الأجنبي تحت غطاء “حل النزاع”: مع وجود حكومتين متنافستين، يمكن للقوى الأجنبية فرض وصايتها السياسية والاقتصادية على السودان، وتقديم نفسها كوسيط محايد، بينما تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة.
ثالثًا: الحكومة الموازية وأثرها على وحدة السودان: إن أخطر ما في فكرة الحكومة الموازية هو أنها تفتح الباب لانقسام السودان إلى كيانات متناحرة، قد لا تكون بالضرورة دولًا مستقلة، لكنها ستكون مناطق نفوذ لقوى مختلفة، وهذا سيؤدي بدوره إلى عدة تهديدات للأمن القومي السوداني:
1. تحييد الجيش السوداني وتفكيك الدولة الوطنية: الجيش هو العمود الفقري لأي دولة مستقرة، وعندما يصبح على قدم المساواة مع ميليشيا نشأت في سياق صراعات محلية، فإن ذلك يقوّض مفهوم الدولة الحديثة. وأي دولة تفقد جيشها لصالح مليشيات، تتحول إلى مساحة جغرافية متنازع عليها، وليس كيانًا سياسيًا موحدًا.
2. إعادة إنتاج سيناريو اليمن وليبيا: ففي اليمن، أدى وجود حكومتين متنافستين (الحوثيون مقابل الحكومة الشرعية) إلى حرب طويلة الأمد، يستفيد منها تجار الحرب والقوى الخارجية. وكذلك في ليبيا، حيث تعاني من الانقسام بين شرق وغرب، مع تعدد القوى المتحاربة المدعومة من الخارج، مما جعل الدولة مجرد ساحة نفوذ لقوى كبرى.
3. شرعنة العنف المسلح وتكرار نموذج “الدولة الفاشلة”: إذا حصلت قوات الدعم السريع على اعتراف دولي كجزء من “حكومة شرعية”، فإن ذلك سيفتح الباب أمام ميليشيات أخرى للمطالبة بنفس الوضع، مما يخلق بيئة لا نهاية فيها للصراعات المسلحة.
إذن؛ ترتيبًا على ما سبق، هل نحن أمام مشروع “تقسيم صامت” للسودان؟
رغم أن أحدًا لم يعلن صراحة تقسيم السودان، إلا أن ما يجري على الأرض يشير إلى أن هذا التقسيم قد يحدث دون إعلان رسمي. إذْ تعني الحكومة الموازية:
٠ وجود سلطتين مستقلتين داخل السودان، لكل منهما تحالفاتها العسكرية والسياسية.
٠ تعامل القوى الدولية مع كل طرف على حدة، مما يكرّس الانقسام تدريجيًا.
٠ إطالة أمد النزاع بحيث يصبح التقسيم واقعًا غير رسمي، لكنه فعلي.
ومن هذا المنطلق سيشبه ما يحدث في السودان إلى حد كبير نموذج “كردستان العراق”، حيث لم يُعلن الانفصال رسميًا، لكن السلطة هناك مستقلة عن بغداد فعليًا. قد يواجه السودان سيناريو مشابهًا، حيث تصبح مناطق نفوذ الدعم السريع كيانًا مستقلًا بحكم الأمر الواقع.
الخاتمة؛ في المحصلة، لا يمكن تجاهل توقيت إعلان هذه الحكومة الموازية، الذي جاء متزامنًا مع انتصارات الجيش السوداني على ميليشيا الدعم السريع، وتحقيق أعظم انتصار باستعادة الخرطوم والقصر الجمهوري بعد الانتصارات الأخرى والحاسمة في ود مدني بولاية الجزيرة. يكشف هذا التوقيت بوضوح أن الخطوة ليست إلا محاولةً لإحباط الزخم العسكري بضربة سياسية، في مسعى لإعادة تشكيل المشهد وفق حسابات القوى الداخلية والإقليمية التي ترفض الاعتراف بالتحولات الميدانية. إنها محاولةٌ لصياغة واقع سياسي موازٍ، يواجه الحكومة السودانية الشرعية ويشكّك في شرعية انتصاراتها الأخيرة.
لم تكن الصدمة في خسارة ميليشيا الدعم السريع للقصر الجمهوري ولا في انهيار تمركزها داخل الخرطوم؛ فذلك كان متوقعًا بحسابات الميدان. إنما المفارقة الحقيقية تمثّلت في إعلان نيتها تشكيل حكومة موازية عقب عيد الفطر، في توقيتٍ كان يُفترض فيه أن تبدأ مرحلة الانكفاء أو إعادة الحساب، لا تصعيد الموقف السياسي. هذا الإعلان، في جوهره، لا يُقرأ إلا من خلال قاعدة استراتيجية راسخة: الخصم اليائس هو الأخطر، لأنه لم يعد يمتلك ما يخسره. فالرهان هنا لم يعد على استعادة الخرطوم، بل على خلق واقع موازٍ تتكفّل القوى الخارجية الراعية له بتثبيته، عبر فرض أمرٍ واقع، أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، وهو السيناريو ذاته الذي لطالما جرى التحذير منه في سياقات مشابهة: من ليبيا إلى اليمن.
ولهذا، فإن من واجب الحكومة السودانية، وقد حققت انتصارات ميدانية نوعية في الخرطوم وولاية الجزيرة، أن تُفعّل أدوات الدبلوماسية الهجومية، لا لتكتفي بشرح ما جرى، بل لتنتزع خطابًا إقليميًا ودوليًا يجرّم كل محاولة للالتفاف على وحدة الدولة السودانية.
الفرصة اليوم مواتية لبناء تكتل سياسي وإعلامي واسع، فكما نجح مجلس السلم والأمن الأفريقي، إلى جانب حلفاء السودان من مصر والسعودية وقطر ودول أفريقية أخرى، في ترجيح كفة الشرعية وإدانة أي مشروع لحكومة موازية، فإن الوقت الآن مناسب لإطلاق موجة ضغط دبلوماسي جديد تُحاصر فيه النوايا المُريبة وبمشاركة من الدول الشقيقة في شمال القارة وجنوبها، ودول إقليمية لديها منابر إعلامية ضاغطة، وغيرها من الأطراف التي تُدرك أن التساهل في لحظةٍ كهذه سيمنح المشروع الانقسامي وقتًا ومساحة لن يكون من السهل احتواؤهما لاحقًا. إن التراخي عن الحضور الدبلوماسي في لحظة الانتصار لا يُعدّ حيادًا، بل تفريطًا استراتيجيًا يُمكن أن يعيد إنتاج الكارثة في صيغة أكثر تعقيدًا، وأشد قسوة.
لأنّ الإعلان عن نظام الحكومة الموازية بعد تحرير الخرطوم ليس مجرد محاولة لاستجابة للأزمة العسكرية الراهنة للدعم السريع، بل هو جزء من مشروع أكبر يهدف إلى تفكيك الدولة السودانية، وإعادة تشكيلها وفق مصالح خارجية. إذا لم يتم التصدي لهذه الخطوة، فقد يجد السودان نفسه أمام واقع جديد، حيث تتعدد الحكومات، وتنهار الدولة المركزية، ويتحول البلد إلى ساحة نفوذ للقوى الأجنبية والإقليمية.
قائمة المراجع والهوامش
[1] Reuters. 2025. “Sudan’s RSF and Allies Formalise Vision for Parallel Government.” Reuters, March 5, 2025. https://www.reuters.com/world/africa/sudans-rsf-allies-formalise-vision-parallel-government-2025-03-04/.
[2] Sudan Tribune. 2025. “RSF to Lead Sudan’s Parallel Government Presidential Council.” Sudan Tribune, March 28, 2025. https://sudantribune.com/article299027/.
[3] Abuzaid, Osama. 2025. “Sudan Crisis: How a Parallel RSF Government Could Destroy the Nation.” Middle East Eye, March 9, 2025. https://www.middleeasteye.net/opinion/sudan-crisis-parallel-rsf-government-could-destroy-nation-how.
[4] العربية. 2025. “حكومة موازية في السودان.. تعرف على أبرز أهدافها.” قناة العربية، 23 فبراير 2025. https://www.alarabiya.net/arab-and-world/sudan/2025/02/23/حكومة-موازية-في-السودان-تعرف-على-أبرز-أهدافها.
[5] المصدر السابق
[6] روسيا اليوم. 2025. “الخارجية السودانية تندد بالمساعي الكينية لاحتضان حكومة موازية بقيادة ‘الدعم السريع’.” روسيا اليوم، 2 مارس 2025. https://arabic.rt.com/middle_east/1651333-الخارجية-السودانية-تندد-بالمساعي-الكينية-لاحتضان-حكومة-موازية-بقيادة-الدعم-السريع/.
[7] Center for Preventive Action. 2025. Civil War in Sudan. Updated March 26, 2025. Council on Foreign Relations. https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/power-struggle-sudan.
[8] Mahjoub, Husam. 2025. “The Emerging Sub-Imperial Role of the United Arab Emirates in Africa.” Transnational Institute, February 4, 2025. https://www.tni.org/en/article/the-emerging-sub-imperial-role-of-the-united-arab-emirates-in-africa.
[9] الجزيرة. 2025. “السودان يتوعد كينيا بعد دعمها تشكيل حكومة للدعم السريع.” قناة الجزيرة، 24 فبراير 2025. https://www.aljazeera.net/news/2025/2/24/السودان-يتوعد-كينيا-بعد-دعمها-تشكيل.
[10] هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). 2025. “ما دلالات توقيع ميثاق لتشكيل حكومة موازية في السودان؟” بي بي سي عربي، 23 فبراير 2025. https://www.bbc.com/arabic/articles/cly3773685po.