الوساطة القطرية بين الكونغو الدميقراطية ورواندا: التحديات وفرص النجاح

تستمر أزمة شرق الكونغو الديمقراطية ويتصاعد الصراع بين الجيش الكونغولي وحركة “مارس 23” (أو “إم23” باختصار) التي تواصل في هجماتها الأخيرة الاستيلاء على مناطق استراتيجية في الكونغو الديمقراطية, مثل استيلائها في يناير 2025 على “غوما” (عاصمة مقاطعة كيفو الشمالية ومركز اقتصادي رئيسي على الحدود مع رواندا)؛ و “بوكافو” (عاصمة مقاطعة كيفو الجنوبية) في فبراير 2025 متقدمة نحو الجنوب؛ و “نيابيوندو” (بلدة تقع على بُعد حوالي 110 كيلومترات شمال غرب غوما) في مارس 2025([1])؛ و “كاشيبيري” (في إقليم ماسيسي) و “كيباتي” (إقليم واليكالي) بحلول 12 مارس 2025([2])؛ و “واليكالي” (مركز تعدين استراتيجي يقع على بُعد حوالي 125 كيلومترًا شمال غرب “غوما”، والمعروفة برواسبها الكبيرة من القصدير والذهب) في 19 مارس 2025([3]).
وفي حين أن جهود السلام الإفريقية الأخيرة, وخاصة مبادرة “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي” (أو “سادك” باختصار)، قد واجهت صعوبات في تحقيق تقدّم ملموس مع استمرار “إم23” في تقدمها العسكري؛ فقد برزت قطر كوسيط في حل الأزمة، ولقيت هذه الجهود ترحيبًا من الكونغو الديمقراطية ورواندا، اللتين وافقتا على وقفٍ لإطلاق النار بعد اجتماع رئيسيهما “فيليكس تشيسكيدي” و”بول كاغامي” في الدوحة، في 18 مارس 2025([4]).
فما التحديات التي تواجه الوساطة القطرية؟ وما فرص نجاحها؟
أولا: التحديات التي تواجه الوساطة القطرية
تتحدد التحديات الرئيسية التي تواجه الوساطة القطرية في خمس, وذلك اعتمادا على عوامل ظهور الأزمة([5]) وتطورات الشهور الماضية ومواقف الأطراف الفاعلة في الصراع وأهدافها غير المعلنة. وهذه النقاط هي:
أ. حركة “إم23” ومدى استعدادها لوقف عملياتها العسكرية وقبول جهود الوساطة القطرية:
تمثّل حركة “إم23” وعملياتها العسكرية إحدى التحديات الرئيسية أمام الوساطة القطرية، حيث أبدت الحركة في جميع الاتفاقيات والجهود الدبلوماسية السابقة والجارية – بما في ذلك وساطة قطر – أنها ستواصل عملياتها، مُستولية على مواقع رئيسية ومناطق تعدين استراتيجية, مما يبرز قدرة الحركة على الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها كمؤشر على ضعف قدرة الجيش الكونغولي, مع إمكانية تمويل تلك العمليات من خلال الإيرادات التي تحصل عليها من المناطق الغنية بالموارد التي تسيطر عليها. ويعني هذا أنه لا توجد ضمانات أن الحركة ستلتزم بالسلام في حال تحقيقه بين الكونغو الديمقراطية ورواندا, وخاصة أن قادة الحركة رفضوا الدعوات السابقة لوقف إطلاق النار الفوري, مجادلين بأن الاتفاقات لم تعالج مخاوفهم السياسية والأمنية، ويصرّون على أن تشمل المفاوضات التكامل السياسي وتحسين الوضع الأمني. وهذه هي الحالة نفسها في يوم 20 مارس 2025, أي بعد موافقة الكونغو الديمقراطية ورواندا على وقف إطلاق النار بعد اجتماعهما في قطر، حيث صرّح “كورنيل نانغا”، رئيس الفرع السياسي لحركة “إم23″، بأن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه قطر “لا يعنينا”([6]).
ب. انعدام الثقة وغياب الالتزام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا:
هناك انعدام الثقة المتجذر بين الكونغو الديمقراطية ورواندا نتيجة ما بين الدولتين من تاريخ طويل من الصراع والتوترات الحدودية والاتهامات المتبادلة بدعم الحركات المسلحة في أراضي كل منهما. وفي سياق الأزمة الجارية؛ تتهم حكومة الكونغو الديمقراطية رواندا بتقديم دعم عسكري وماليّ لحركة “إم23” (التي يتكون معظم مقاتلوها من توتسي، الإثنية التي ينتمي إليها الرئيس الرواندي “بول كاغامي”)، حيث وصفت الحكومة الكونغولية دور رواندا بأنه “عمل عدواني”, قائلة إن الحكومة الرواندية تستخدم الحركات المتمردة, مثل “إم23”, للاستحواذ على موارد شرق الكونغو الديمقراطية بشكل غير قانوني. وفي المقابل، تتهم الحكومة الرواندية جارتها الكونغو الديمقراطية بالتقصير في توفير الأمن على طول حدودهما المشتركة، مما يسمح للحركات المسلحة بمهاجمة رواندا من الأراضي الكونغولية, وأن الحكومة الكونغولية تهدد حكم الرئيس “كاغامي” من خلال دعم الحركات المتمردة التي تقودها إثنية هوتو, وخاصة “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا” التي أسسها مرتكبو الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 الذي فرّوا إلى شرق الكونغو الديمقراطية والتي أصبحت ملاذا آمنا لهم.
وقد أدّى انعدام الثقة طويل الأمد إلى عدم وجود التزام جدّي من الأطراف الفاعلة في الأزمة بأي مبادرات أو اتفاقيات السلام، بما في ذلك عمليتا نيروبي (نسبة إلى عاصمة كينيا) و لواندا (نسبة إلى عاصمة أنغولا). بل غالبا ما تحدث انتهاكات متكررة في حالات توقيع الاتفاقيات بسبب استمرار القتال ورفض سحب القوات. وهذه الحالة خلقت وضعا جديدا متمثّلا في تقليل هؤلاء الأطراف, وخاصة الكونغو الديمقراطية ورواندا, من مصداقية المفاوضات الجديدة، حيث يتخوّفون من أن تفضّل المفاوضات أحدهم على حساب الآخر.
ج. دور الدول المجاورة والديناميكيات الإقليمية المعقدة:
تتجاوز أزمة شرق الكونغو الديمقراطية مجرد صراع محلي بين حكومة الكونغو الديمقراطية ومتمردي “إم 23″؛ إذ هي متشابكة مع ديناميكيات إقليمية معقدة تشمل دولًا وحركات مسلحة وجهات دولية متعددة. وعلى سبيل المثال: تنشط في شرق الكونغو الديمقراطية أكثر من 120 ميليشيا([7]). وإلى جانب حركتي “إم 23” و “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”، توجد “تعاونية تنمية الكونغو” (CODECO) والتي تجمع مجموعات ميليشيا ليندو المختلفة والمتهمة بالتورط في العنف الإثني والهجمات على المدنيين, وهناك حركة “القوات الديمقراطية المتحالفة” التي يُزعم ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمسؤولة عن هجمات إرهابية في المنطقة.
بل بينما كانت رواندا محور الانتقادات الرئيسي في أزمة الكونغو الديمقراطية، فإن هناك عدد آخر من الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية المتورطة في الأزمة، كما لكل منها أجنداتها الخاصة والتي تتعارض أحيانا مع الأخرى. ومن بينها دولة أوغندا التي تشترك في حدود مع الكونغو الديمقراطية ودعمت حملات الحكومة الكونغولية ضد المتمردين ونشرت قوات في شرق الكونغو الديمقراطية كجزء من الجهود العسكرية الإقليمية، وذلك رغم أن أوغندا نفسها متهمة بإقامة علاقات سابقة مع حركة “إم 23″، كما لها مصالح تجارية وتعدينية في المنطقة. وهناك أيضاً دولة بوروندي التي تدعم الكونغو الديمقراطية، واتهمت رواندا مؤخراً بالتخطيط لمهاجمة البلاد، وأن رواندا حاولت تنفيذ انقلاب في بوروندي قبل عقد من الزمان على غرار “ما تفعله في الكونغو الديمقراطية” الآن. بالإضافة إلى أعضاء من كتل إقليمية، مثل كينيا التي تشكك الكونغو الديمقراطية في حياديتها وتصنفها ضمن داعمي الموقف الرواندي. وهناك أنغولا وتنزانيا، وهما عضوان في “مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي”، وتدعمان الكونغو الديمقراطية عسكريًا ضد “إم23” حتى وإن كانتا تدعوان أيضا إلى حلول دبلوماسية.
ويضاف إلى ما سبق أن الانسحاب المفاجئ للرئيس الأنغولي “جواو لورنسو” (رئيس الاتحاد الإفريقي) من دور الوساطة([8]) قد يخلق فراغًا أو يُعقّد تنسيق جهود السلام الجارية، لا سيما بالنظر إلى جهود أنغولا السابقة للتعامل مباشرة مع حركة “إم23″؛ إذ هناك مؤشرات على أن رئيس أنغولا شعر بأن جهوده في الفترات الماضية قد قوبلت بالتجاهل من قبل الرئيس الرواندي “كاغامي”, وأنها قد تكون إهدارا للوقت بعد انسحاب “إم23” من المفاوضات المخطط لها في لواندا في 18 مارس 2025 – ردًا على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على قادتها ورواندا -, وبعد الإعلان المفاجئ عن الوساطة الموازية من قبل قطر وظهور رئيس الكونغو الديمقراطية ورواندا في اجتماع بالدوحة. وهذه الديناميكية تعني أن وساطة قطر قد تحتاج إلى التنقل بين العديد من جهود الوساطة التي تُجْرَي في وقت واحد في مجال دبلوماسي مزدحم يتسّم أحيانا باستراتيجيات متنافسة، مثل عمليتي لواندا (بقيادة أنغولا) ونيروبي (بقيادة جماعة شرق إفريقيا).
د. الضغوط الدولية والتحديات الدبلوماسية:
تأتي الوساطة القطرية في وقتٍ تُصعّب فيه الضغوط الدولية والتحديات الدبلوماسية جهود السلام، وخاصة مع تباين مواقف القوى العالمية, مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وفرنسا, تجاه الصراع؛ إذ تضارب المصالح يفرض على قطر الموازنة بين الضغوط الخارجية المتعددة لإجراء عملية وساطة مستقلة وغير منحازة. ويمكن ملاحظة هذا التحدي في أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على قادة حركة “إم23” ومسؤولين روانديين بسبب دورهم المزعوم في الصراع أجبرتهم على الإصرار على موقفهم والانسحاب من عملية لواندا. وتُصعّب هذه العقوبات أيضًا على رواندا المشاركة في مفاوضات السلام دون الشعور بالإذلال، لا سيما أمام الكونغو الديمقراطية والحكومات الإقليمية التي تنتقد كيغالي. وفي المقابل، تُحسّن الكونغو الديمقراطية علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وبلجيكا، التي تحثّ الحكومة الكونغولية على اتخاذ موقف حازم ضد رواندا. وهذا الدعم الغربي للكونغو الديمقراطية والضغط على رواندا قد يقيّدان مرونة الكونغو الديمقراطية في المفاوضات وتقديمها التنازلات لإيجاد حل للأزمة.
ويضاف إلى ما سبق أن بعض الأطراف الإقليمية قد يشكّكون في جهود قطر أو يعتبرونه محاولةً لاستبدال الحلول والمبادرات الأفريقية, مما يؤدي إلى رفض التعاون الكامل مع جهود الوساطة القطرية أو مقاومة دبلوماسية لها, كما يؤشر إليه انسحاب أنغولا من وساطتها, وخاصة أن الاتحاد الأفريقي الذي أشادت مفوضيته بجهود قطر ويدعم عادة الحلول الأفريقية، يرأسه حاليا رئيس أنغولا. وبالنسبة للمجتمع المحلي في شرق الكونغو الديمقراطية، فإن تدهور الوضع العسكري والتقدم اليومي لحركة “إم 23” قد يجعل الجهود الدبلوماسية القطرية تبدو غير فعالة أو بطيئة في تحقيق نتائج ملموسة.
هـ. الاهتمامات الاقتصادية الدولية ووالمصالح الجيوسياسية المتعددة:
من التحديات التي تواجه الوساطة القطرية أن أزمة شرق الكونغو الديمقراطية تؤججها مصالح اقتصادية وجيوسياسية مختلفة؛ إذ الصراع لا يقتصر فقط على النزاعات الإقليمية أو نشاط المتمردين، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنافسة العالمية على الموارد وطرق التجارة والنفوذ الإقليمي, وذلك لأن شرق الكونغو الديمقراطية موطن لبعض أغنى احتياطيات المعادن في العالم, مع إشارة تقارير عن كون رواندا مركزًا لوجستيًا وتجاريًا إقليميًا للمعادن الكونغولية. وقد أكدت الحكومة الكونغولية مرارا عن ضرورة تعزيز تحكّمها في مواردها من خلال الحد من التهريب غير المشروع. ولذلك لجأ الرئيس الكونغولي “تشيسكيدي” إلى تنويع شراكات بلاده التجارية وتوقيع اتفاقيات مع شركات غربية وصينية لضمان تصدير المعادن بشكل قانوني, كما تعمل حكومته على توسيع البنية التحتية لتجاوز رواندا، بهدف تصدير المعادن مباشرة عبر تنزانيا وأنغولا.
إن وجود مصالح اقتصادية للشركات الغربية والصينية والخليجية في قطاع التعدين في الكونغو الديمقراطية، يخلق منافسة على من يتحكم في الصادرات؛ إذ على الصعيد العالمي تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي, اللذين داعمي الحكومة الكونغولية، إلى استقرار الكونغو الديمقراطية لتأمين سلاسل توريد المعادن اللازمة للسيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة. وتتمتع فرنسا بعلاقات تاريخية قوية مع كل من الكونغو الديمقراطية ورواندا، وقد دعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى حل دبلوماسي, ولكنه انتقد أيضا رواندا بشأن دعمها لحركة “إم23”, كما أن مشاركة شركات مدعومة فرنسيًّا في قطاع التعدين تُصعّب على أي عملية وساطة فرنسية محايدة إرضاء جميع الجانبين. أما الصين؛ فلها استثمارات تعدينية ضخمة في الكونغو الديمقراطية، لا سيما في الكوبالت والنحاس. ولا تزال بكين محايدة سياسيًا تجاه الأزمة وتتجنب المشاركة المباشرة في محادثات السلام رغم نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في المنطقة.
وعليه, ستحتاج قطر إلى الموازنة بين هذه المصالح الإقليمية والدولية للحفاظ مع إيلاء أهمية للدوافع الاقتصادية وراء الصراع لكي لا يكون اتفاق السلام الناتج من المفاوضات هشًّا وقصير الأجل. كما أن على الدوحة احتساب احتمال تقويض أو رفض جهودها من قبل أي قوة دولية نشطة في المنطقة – إذا شعرت هذه القوة بأن المبادرات القطرية تهدد أجندتها الاقتصادية أو السياسية -.
فرص نجاح الوساطة القطرية
إن فرص نجاح الوساط القطرية مرتبطة بالفرص العامة المتعددة التي توفرها المعطيات المختلفة وتطورات الشهور والأيام الماضية لقطر. وتتحدد هذه الفرص في التالي:
أ. الاستفادة من المبادرات ومحاولات الوساطة السابقة:
هناك محاولات وساطة عديدة سابقة لحل أزمة الكونغو الديمقراطية يمكن لقطر الاستفادة منها في جهودها الحالية. وعلى سبيل المثال: هدفت عملية نيروبي، التي بدأت عام 2022، إلى تسهيل الحوار بين حكومة الكونغو الديمقراطية ومختلف الحركات المسلحة في شرق البلاد. ولكن العملية واجهت تحديات كبيرة، بما في ذلك مزاعم بأن حكومة الكونغو الديمقراطية استخدمت قوة حفظ السلام التابعة لـ “جماعة شرق أفريقيا” – المنتشرة في إطار العملية – كقوة إضافية لمحاربة متمردي حركة “إم23″، بدلاً من التركيز على نزع سلاح الحركة والإشراف عليه. وهناك اختلاف بين الأطراف المشاركة في العملية حول تفسير تفويض قوة العملية, مع اتهام كينيا بالانحياز لجانب رواندا والتأثير في العملية لأهداف سياسية داخلية. وفيما يتعلق ببعثة “مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي” في الكونغو الديمقراطية، فهي تواجه صعوباتٍ بسبب ضعف التنسيق وعدم وضوح الأهداف ونقص الموارد. وهناك انقسامات بين دول إقليمية وأعضاء “مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي” حول البعثة، إضافة إلى التوترات مع “جماعة شرق أفريقيا”. وترى رواندا وحركة “إم23” أن البعثة تدعم الحكومة الكونغولية بدلاً من المساعدة في حل القضايا المسببة للصراع, بينما يُعقّد دعم رواندا المزعوم لحركة “إم23” عمل البعثة التي تتجنّب قواتها مواجهة رواندا مباشرةً لتفادي تصعيد الصراع إقليميًا.
أما عملية لواندا، التي أُطلقت كجزء من خارطة طريق لواندا بوساطة أنغولية عام 2022، فقد ركّزت على إصلاح العلاقات بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وأجّلت إشراك حركة “إم23” في مفاوضات مباشرة. وقد أدّى تقاعس رواندا وعقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على قادة “إم23” ومسؤوليها إلى انتكاسة كبيرة للعملية, والتي تجلّت في تنصل أنغولا لاحقًا من التزاماتها بالوساطة، مُدّعيةً فشل محاولات التفاوض والتدخل الخارجي (في إشارة ضمنية إلى اجتماع قطر).
وعليه, تتركز أبرز أسباب فشل محاولات الوساطة السابقة في أن نزع فتيل الأزمة على المدى القصير كان أكثر شيوعًا, بدلا من وضع خارطة لتحقيق حل طويل الأمد للنزاع. هذا, بالإضافة إلى غياب الشمولية في عملية التفاوض، وقلة الاهتمام بمعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وضعف آليات تنفيذ ورصد اتفاقيات السلام، والتأثير السلبي للجهات الخارجية التي تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة. ويُبرز فشل عمليتي “نيروبي” و “لواندا” ضرورة ضمان الشمولية في أي مسعى للوساطة، بما في ذلك التحديد الواضح والمشترك لأهداف الوساطة وأدوار جميع الأطراف, إلى جانب وجود آليات فعّالة لتنفيذ أي اتفاقات يتم التوصل إليها ورصدها لتعزيز الثقة وضمان الاستدامة على المدى الطويل.
ب. حيادية قطر الدبلوماسية وقدرتها على بناء الثقة:
من الفرص المتاحة للوساطة القطرية أن للدوحة نفوذا متناميا في الدبلوماسية الأفريقية, حيث تشتهر قطر بحيادتها وثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها القوية مع مختلف الأطراف والجهات الإقليمية والقارية الإفريقية. وتعزز هذا نجاحات قطر المتعددة, مثل توسطها في اتفاقية السلام في تشاد عام 2022 والتي مهّدت الطريق للمصالحة الوطنية؛ وجهودها في السودان؛ وتعزيزها العلاقات مع الصومال مع تقديم المساعدات التي عزّزت الجهود الأمنية. وفي سياق أزمة الكونغو الديمقراطية, يعزز فشل العديد من الجهود الأفريقية دور قطر, ويؤشر إلى الاتفاق غير المعلن بين الأطراف المعنية بضرورة تدخّل جهات خارجية يُنظر إليها على أنها أكثر حيادية، لتجاوز المآزق القائمة. هذا, إلى جانب أن علاقات قطر الوثيقة مع كل من رواندا والكونغو الديمقراطية قادرة على تسهيل الحوار وبناء الثقة وتعزيز المصداقية, وذلك باعتبار أن قطر يٌنظَر إليها كوسيط بلا أجندة خفية أو مصالح جيوسياسية مباشرة في أزمة شرق الكونغو الديمقراطية.
وعليه, يمكن لقطر مناورة الديناميكيات الإقليمية بشكل استراتيجي, وذلك باستغلال كونها وسيط محايد ومستقل يعمل على تجسير الهوة بين الأطراف الإقليمية المتنافسة. ومن خلال هذا يمكن لقطر تخطّي الانقسامات الداخلية والتحيزات الإقليمية التي أفشلت كلا من عملية “لواندا” و عملية “نيروبي”.
ج. دعم الكتل الإقليمية للوساطة القطرية:
تحظى الوساطة القطرية بدعم من الهيئات الإقليمية الأفريقية الرئيسية, مثل الاتحاد الأفريقي و “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي”، مما يكسب الجهود القطرية صفة “مُكمّل” لجهود السلام القائمة – بدلا من كونها تدخلاً خارجياً -. وهذا الدعم الإقليمي – إذا أُحسِن استثماره – قادر على تعزيز وساطة الدوحة من خلال توفير الشرعية والنفوذ الدبلوماسي وآليات التنفيذ لأي اتفاق سلام, وهو ما سيُشجّع على زيادة التعاون من جانب الكونغو الديمقراطية ورواندا. بل سيضمن الدعم الإقليمي والقاري الإفريقية أن يكون أي اتفاق تتوسط فيه قطر مدعوما بآليات تنفيذ بقيادة أفريقية، مما يجعله أكثر استدامة. كما أن مواءمة جهودها مع المؤسسات الأفريقية تمكّن قطر من الوصول إلى الخبرات المحلية والدعم اللوجستي، مما يُحسّن عمليات تنفيذ مبادرات السلام على أرض الواقع.
ويضاف إلى ما سبق أن الدعم الدولي من قوى عالمية, مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين, قد يبدو غير مهمّ للوساطة القطرية, ولكن مصالح هذه الدول في شرق الكونغو الديمقراطية وأطماعها في المنطقة تظهران أن كسب دعم تلك القوى قد يلعب دوراً حاسماً في نجاح وساطة قطر؛ إذ من خلال تأمين الدعم من أصحاب المصلحة الدوليين في المنطقة، تستطيع قطر تحويل وساطتها من جهد دبلوماسي إلى استراتيجية سلام منسقة مع الامتثال من الجميع وفرص أعلى للنجاح على المدى الطويل.
د. إشراك جميع الجهات الفاعلة الرئيسية:
يمكن النظر إلى الإعلان الأخير لمتمردي “إم23” بشأن انسحابهم من “واليكالي”، والذي جاء عقب اجتماع الرئيسين الكونغولي والرواندي في الدوحة, كإشارة إيجابية للجهود القطرية وفتح مُحتمل لمزيد من المفاوضات وخفض التصعيد. ومع ذلك, هناك مؤشرات على أن العقبة الكبيرة أمام وساطة قطر ستكون عدم إشراك الجهات الفاعلة الرئيسية في المفاوضات؛ إذ من غير المرجح أن يكون أي اتفاق سلام يُتَوصَّل إليه دون مشاركة مباشرة بشكل هادف من الحركات المسلحة الرئيسية, وخاصة “إم23”, سيكون فعالاً على أرض الواقع، وذلك لكون هذه الحركات تسيطر حاليًا على مساحات شاسعة, وستتطلب وقف إطلاق نارٍ مستدام – أو حتى التنازل عن مناطق السيطرة – تسويةً سياسيةً. وقد صرّح زعيم “تحالف نهر الكونغو”، الذي يضم حركة “إم23” بأن أي قرارات تُتخذ دون مشاركتهم ستُعتبر ضدهم. هذا, إضافة إلى أن الخبرة التي تتمتع بها قطر في التفاوض مع المنظمات المسلحة (كما هو الحال في تشاد وأفغانستان) تسمح لها بالتعامل مع اللاعبين الرسميين وغير الرسميين، وهو أمر بالغ الأهمية عند التعامل مع حركة “إم 23” وغيرها من الميليشيات.
د. البناء على جهود السلام الإفريقية القائمة:
ستكون احتمالية نجاح الوساطة القطرية أعلى إذا كانت مبنية على الجهود القائمة لـ “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي”, حيث أن الكتلتين الإقليميتين قد وحّدتا تحركاتهما لحل الأزمة, فاجتمع وزراء خارجيتهما في 17 مارس 2025 في هراري، زيمبابوي، أي قبل يوم من الاجتماع الثلاثي في قطر, وذلك لمناقشة خارطة طريق لتنفيذ وقف إطلاق النار. وقد جاء الاجتماع الوزاري عقب التوجيهات الصادرة خلال القمة المشتركة بين الكتلتين والتي عُقدت في 8 فبراير 2025، بهدف تقييم التقدم المحرز في تنفيذ القرارات الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
وقد أعربت قطر عن دعمها للنهج المشترك بين الجماعتين لتنسيق الاستجابة الإقليمية, كما أن البيان الذي أصدرته كل من الكونغو الديمقراطية ورواندا عقب اجتماع الدوحة، للإعلان عن وقفٍ “فوريٍّ وغير مشروط” لإطلاق النار, كان قائما على ما حدّده قادة “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي” في فبراير 2025. ومما يعزز هذا أن المشاركة الشخصية لأمير قطر في استضافة الاجتماع بين رئيسي الكونغو الديمقراطية ورواندا أضفى ثقلًا وزخمًا كبيرين على عملية السلام, وأظهر أن بناء قطر وساطتها على المبادرات الأفريقية، بدلًا من استبدالها، ستضمن للدوحة تخطي المواجهة الدبلوماسية أو الغضب المبطن من قبل دول مثل أنغولا أو فاعل إقليمي آخر يعتبر الجهود القطرية كتحدٍ لنفوذها.
ويضاف إلى ما سبق أن الإمكانات المالية واللوجيستية ضمن عوامل فشل المبادرات الإفريقية لحل الأزمة, كما ظهرت منذ فبراير تساؤلات بشأن عدم وضوح تفويض الجهود الموحّدة بين “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي” ومدى إمكانية دول الكتلتين تمويل فريق الوساطة الموسّع، مما قد يعيق فعاليته ويخلق المزيد من التعقيدات في المشهد العام للوساطة. ومع ذلك, قد تساعد الوساطة القطرية المبادرات الإفريقية في تجاوز العقبات اللوجيستية وتحقيق اختراق دبلوماسي, كما هو واضح من نجاح الدوحة على دعوة الرئيسين الكونغولي والرواندي لإجراء محادثات مباشرة – بينما الرئيسان قد ترددا سابقا للاجتماع المباشر وتجاهلا بعض الدعوات الإفريقية -، ليصبح ذلك الاجتماع القطري أول محادثات مباشرة بينهما منذ استيلاء مقاتلي “إم 23” على مدينتين رئيسيتين في شرق الكونغو الديمقراطية في وقت سابق من عام 2025.
هـ. التنمية الاقتصادية كأداة تحقيق السلام:
توجد بين قطر ورواندا علاقات دبلوماسية واقتصادية متينة، حيث استثمرت الدوحة بكثافة في قطاعات الطيران الرواندي والضيافة والعقارات والبنية التحتية. وهذه العلاقات والاستثمارات تجعل قطر لاعبًا مؤثرًا وتقدّمها كدولة قادرة على تحفيز السلام عبر بوابة التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال التأكيد للأطراف المتنازعة على أن الاستقرار في شرق الكونغو الديمقراطية سيفتح آفاقًا اقتصادية للجميع. بل باعتبار أن جزءًا كبيرًا من معززات الصراع مدفوع بالتنافس على الموارد المعدنية وطرق التجارة والنفوذ الاقتصادي، يمكن لقطر تقديم خارطةِ طريقٍ اقتصاديةٍ لما بعد الصراع تَعودُ بالنفع على جميع الأطراف المعنية, مركّزة على الترويج لمشاريع إقليمية, مثل اتفاقيات التجارة الإقليمية التي تحسّن التجارة العابرة للحدود, مع الاستثمار في الزراعة لتوظيف السكان المحليين اللاجئين إلى حمل السلاح, وإضفاء الطابع الرسمي على قطاع التعدين الكونغولي, مما يمكّن الكونغو الديمقراطية على إدارة مواردها ويخلق حوافز لإعطاء الأولوية للسلام.
ومما يجعل هذه النقطة جديرة بالاعتبار أن استراتيجية السلام مقابل التنمية تجعل المفاوضات أكثر جاذبية لكل من رواندا والكونغو الديمقراطية، وتضمن استقرارًا طويل الأمد من خلال استبدال اقتصادات الحرب غير المشروعة بنمو اقتصادي قانوني ومنظم، مما يجعل الوساطة القطرية أكثر تأثيرًا واستدامة. إضافة إلى إمكانية حشد المؤسسات والمستثمرين الدوليين لدعم خطة تنمية اقتصادية ومشاريع تنموية مقابل الالتزام بالسلام في شرق الكونغو الديمقراطية.
الخلاصة:
اعتمادا على التحديات والفرص سابقة الذكر, تتحدد فرص نجاح الوساطة القطرية في التالي:
- الأول: نسبة نجاح منخفضة على المدى القصير: وذلك باعتبار الهجوم المستمر لحركة “إم23” وانعدام الثقة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا واللذين يجعلان التوصل إلى حل فوري أمرًا مستبعدًا, وخاصة أن “إم23” رفضت دعوة وقف إطلاق النار نتيجة عدم إشراكها في اجتماع الدوحة الذي جمع بين الرئيسين الكونغولي والرواندي.
- الثاني: نسبة نجاح أعلى على المدى الطويل: وذلك في حالة توثيق قطر جهودها مع اللاعبين الإقليميين ونجاحها في التنسيق مع الجهود الأفريقية (مجموعة شرق أفريقيا، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي)، مع دمج الحوافز الاقتصادية والتنموية في عملية السلام، مما يعزز إمكانية تفاوض الأطراف المتنازعة, وخاصة الكونغو الديمقراطية وحركة “إم23”, على خطة شاملة بضمانات خارجية.
- الثالث: نجاح دائم أو شبه دائم: وذلك في حالة التوصل إلى الاتفاقيات وتوقيعها مع تنفيذها في نهاية المفاوضات. ويكمن التحدي الأكبر في ضمان التزام الطرفين بالاتفاقيات, لأن فشل أحد الجانبين في تنفيذ الشروط المرتبطة به قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من الصراع والمحادثات الفاشلة. كما أن اتفاق السلام الناجح لن يتطلب مفاوضات سياسية فحسب، بل يتطلب أيضًا خطة موثوقة لدمج مقاتلي “إم23” وغيرهم من المليشيات مع نزع سلاحهم.
خاتمة
تتطلب معالجة الصراع الدائر في شرق الكونغو الديمقراطية أكثر من مجرد حلول سياسية قصيرة الأجل, وخاصة في ظل وجود العديد من الجماعات المسلحة ذات المصالح المتنوعة والمتضاربة, والتي تُعقّد أي عملية سلام. وهذا يعني أن التوصل إلى اتفاق شامل ودائم بحاجة إلى التعامل عدة جهات فاعلة خارج نطاق الأطراف المتحاربة الرئيسية. ومن المرجح أن تستغلّ قطر علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية الوثيقة القائمة مع كل من رواندا والكونغو الديمقراطية لتسهيل الحوار. ويبدو من استراتيجية الدوحة أنها تُكمّل الجهود الإقليمية وتهدف إلى خلق زخم سياسي رفيع المستوى يمكن ترجمته إلى خطوات ملموسة ضمن الإطار الحالي لـ “جماعة شرق أفريقيا” و “مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي”. وعلى هذا, يمكن للوساطة القطرية أن تنجح – مقارنة بالجهود السابقة -, وخاصة أنها لا تسعى إلى استبدال جهود الوساطة الإقليمية، بل إلى تسهيل التقدم ضمن الإطار الإقليمي الأكثر شمولاً والذي يشمل مجموعة أوسع من الجهات الفاعلة في الأزمة.
[1] – Alajazeera (2025). “M23 rebels capture key town of Walikale in eastern DR Congo.” Retrieved from https://shorturl.at/eOT86 (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[2] – Nick Markiewicz, Yale Ford, Liam Karr (2025). “Congo War Security Review – March 13, 2025.” Critical Threats Project, retrieved from https://shorturl.at/uztrc (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[3] – Carlos Mureithi (2025). “M23 rebels capture strategic mining hub of Walikale in eastern DRC.” The Guardian, retrieved from https://shorturl.at/q9Sbb (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[4] – Kieran Burke (2025). “Presidents of Rwanda and DR Congo hold talks in Qatar.” Deutsche Welle, retrieved from https://shorturl.at/8OipE (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[5] – حكيم نجم الدين (2024). “الصراعات المسلحة في البحيرات العظمى الإفريقية: أسبابها وحركاتها وتداعياتها.” منصة الدراسات وأبحاث السلام, متوفر عبر الرابط https://shorturl.at/u7mvR (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[6] – Giulia Paravicini (2025). “Congo rebel leader brushes off ceasefire call, vowing to fight on.” Reuters, retrieved from https://tinyurl.com/mv6fz5d9 (اطلع عليه في 28 مارس 2025)
[7] – المصدر سابق:
حكيم نجم الدين (2024). “الصراعات المسلحة في البحيرات العظمى الإفريقية: أسبابها وحركاتها وتداعياتها.”
[8] – Romain Gras (2025). “Snubbed by Kagame, surprised by Qatar: Why Angola’s Lourenço gave up on DRC peace deal.” The Africa Report, retrieved from https://tinyurl.com/5ewt7ar4 (اطلع عليه في 28 مارس 2025)